سميح دغيم
396
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
- وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازيّ ، والنصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات ، وذلك أن يتوبوا عن القبائح لقبحها نادمين عليها مغتمّين أشدّ الاغتمام لارتكابها ، عازمين على أنّهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع موطنين أنفسهم على ذلك ( ز ، ك 4 ، 129 ، 13 ) - اتّفقوا ( المعتزلة ) على أنّ المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة ، استحقّ الثواب والعوض . والتفضّل معنى آخر وراء الثواب . وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها ، استحقّ الخلود في النار ، لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفّار . وسمّوا هذا النمط : وعدا ووعيدا ( ش ، م 1 ، 45 ، 14 ) - التوبة عبارة عن اطّلاع النفس على قبح هذه الجسمانيّات ، وإذا حصل هذا الاعتقاد زال الحب وحصلت النفرة ، فبعد الموت لا يحصل العذاب بسبب العجز عن الوصول إليها ( ف ، أ ، 98 ، 15 ) - أمّا التوبة : فهي - وإن كانت في اللغة عبارة عن الرجوع - فهي في عرف استعمال المتكلّمين عبارة عن الندم على ما وقع به التفريط من الحقوق ، من جهة كونه حقّا ، ومنه قوله - عليه السلام - : " الندم توبة " ، فعلى هذا من ترك المعصية من غير عزم على ترك معاودتها عند كونه لذلك أهلا ، والندم والتألّم على ما اقترف أوّلا ؛ من جهة أنّه لم يكن له ذلك مستحقّا لم يكن إطلاق اسم التوبة في حقّه بالنظر إلى عرف المتكلّمين ، مما يجوز . لكن ذلك مما لا يجب على العبد استدامته في سائر أوقاته ، وتذكّره في جميع حالاته ، وإلّا لزم منه اختلال الصلوات أو لا يكون تائبا في بعض الأوقات ، وهو خلاف إجماع المسلمين . وليس من شرط صحّة التوبة ، والإقلاع عن ذنب في زمن من الأزمان ، ألا يعاوده في زمن آخر ؛ إذ التوبة مهما وجدت فهي عبادة ومأمور بها ، وليس من شرط صحّة العبادة المأتي بها في زمن ألا يتركها في زمن آخر ( م ، غ ، 313 ، 5 ) - ليس من شرط صحّة التوبة أيضا ، والإقلاع عن ذنب ، الإقلاع عن غيره من الذنوب ، كما زعم أبو هاشم ، وإلّا كان من أسلم بعد كفره ، وآمن بعد شقائه ونفاقه ، إذا استدام زلّة من الزلّات ، وهفوة من الهفوات ، ألّا يكون مقلعا عمّا التزمه من أوزار كفره ، وألّا يترقّى على من هو على غيّه وجحوده . وذلك مما يخالف إجماع المسلمين ، وما ورد به الشرع المنقول ، واتّفق عليه أرباب العقول . وبهذا يندفع قول القائل : إنّ ما وجبت التوبة عنه فإنّما كان لقبحه ، وذلك لا يختلف في ذنب وذنب ، فلا يصحّ الندم على قبيح مع الإصرار على قبيح غيره ( م ، غ ، 314 ، 4 ) - ينبغي أن نذكر في هذا الموضع كلاما مختصرا مما يقوله أصحابنا في التوبة ، فإنّ كلام أمير المؤمنين هو الأصل الذي أخذ منه أصحابنا مقالتهم ، والذي يقولونه في التوبة فقد أتى على جوامعه عليه السلام في هذا الفصل على اختصاره . قال أصحابنا الكلام في التوبة يقع من وجوه : منها الكلام في ماهيّة التوبة ، والكلام في إسقاطها الذمّ والعقاب ، والكلام في أنّه يجب علينا فعلها والكلام في شروطها . أمّا ماهيّة التوبة فهي الندم والعزم ، لأنّ التوبة هي الإنابة والرجوع ، وليس يمكن أن يرجع